محمد بن جرير الطبري
456
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
سقينا وسقيناهم * ولكن بهم الحرة كذاك الحرب أحيانا * علينا ولنا مره فذكر عن بعض الأبناء ان طاهرا بث رسله ، وكتب إلى القواد والهاشميين وغيرهم بعد ان حاز ضياعهم وغلاتهم يدعوهم إلى الأمان والدخول في خلع محمد والبيعة للمأمون ، فلحق به جماعه ، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبه الطائي واخوته ، وولد الحسن بن قحطبه ويحيى بن علي بن ماهان ومحمد بن أبي العاص ، وكاتبه قوم من القواد والهاشميين في السر ، وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه . قال : ولما كانت وقعه قصر صالح اقبل محمد على اللهو والشرب ، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش ، فوضعا مما يليهما من الدروب والأبواب وكلاءهما بأبواب المدينة والارباض وسوق الكرخ وفرض دجلة وباب المحول والكناسة ، فكان لصوصها وفساقها يسلبون من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من أهل الملة والذمة ، فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا ان مثله كان في شيء من سائر بلاد الحروب . قال : ولما طال ذلك بالناس ، وضاقت بغداد بأهلها ، خرج عنها من كانت به قوه بعد الغرم الفادح والمضايقه الموجعة والخطر العظيم ، فاخذ طاهر أصحابه بخلاف ذلك ، واشتد فيه ، وغلظ على أهل الريب وامر محمد ابن أبي خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل امرهم ، فكان الرجل والمرأة إذا تخلص من أيدي أصحاب الهرش ، وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع وامن ، وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضه أو متاع أو بز ، حتى قيل : ان مثل أصحاب طاهر ومثل أصحاب الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا ، مثل السور الذي قال الله تعالى ذكره : « فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ » فلما طال على الناس ما بلوا به ساءت حالهم ، وضاقوا به ذرعا ، وفي ذلك يقول بعض فتيان بغداد :